20 أبريل, 2008

maxilla



لا تمتلك كلية الطب حتى الآن – في وقت كتابة هذا الكلام- أي كافتيريا للطلبة، ربما بعض "الأكشاك" المتناثرة المطلق عليها زعما كافتيريات، ربما من بنى تلك الكلية العتيقة ظن جهلا وزورا أن طلبة الطب لا وقت لهم ينفقونه في كافتيريات، لكنه لم يعلم أن الطلبة سيتلطعون على الزوايا والأركان في الساعات الشاغرة الكثيرة التي سيقضونها في الكلية..
المهم بعيدا عن تلك الثرثرة فإن أحد أشهر
تلك الأكشاك هو ماكزيلا.. maxilla تعني عظمة الفك العلوي ولا أحد يعرف سبب التسمية..أو أنه لم يصل السبب الحقيقي لي..هذا في علم الغيب وهو من أحكام الأقدار على طلبة الطب مثلها مثل عدة أشياء أخرى كثيرة..وماكزيلا قد يكون كشك واحد من عدة أكشاك متجاورة أو هو كل تلك الأكشاك مجتمعة وربما لا بد هنا من توضيح الكيان التشريحي لكلية طب القصر العيني أو للقصر العيني عموما..
القصر عبارة عن فم وأمعاء ومؤخرة..
الفم هو باب العيادات الخارجية وهو يبدأ من بعد الكوبري القصير الموصل لشارع القصر العيني..يأتي المرضى هنا من كل حدب وصوب..مرضى بكل الأمراض التي رأيتها ولن تراها في أي مكان في العالم..فقراء ومتوسطي الحال وكادحون وموظفون بؤساء..يلملمون أطراف أمراضهم المستعصية على المداواة إلى فم القصر العيني..البعض يكتفي بالفم والبعض الآخر يدخل الجسد العملاق وينزلق ليتم حجزه في الأمعاء \ المستشفى..
الأمعاء هو المستشفى صاحب الطبقات والدركات والمقامات التي لن يتسع الموضع هنا لشرح وتوضيح ما يحصل فيها من الهضم والعجن والامتصاص والتحلل والتحمض والارتجاع..لذا فأرجو أن يتم إشعال موقد الخيال عند تلك النقطة...
وبيت القصيد أو المؤخرة وهو مقر ماكزيلا هو ما يهمنا هنا..
المؤخرة حيث يستقر ما وجب إخراجه من المستشفى إما لإعادته بعد تطهيره ..أو لطرده بلا رجعة وهو الموتى..تخيل عدد الذين يدخلون القصر وتخيل العدد الذين يخرج منه إلى هذا المكان الموحش الكئيب "ثلاجة حفظ الموتى" وراء ماكزيلا تماما..تمسك في يدك علبة الكانز تحتسيها في استمتاع فتجد ثلاثة أو اثنين يجرون الترولي المغطى بالحجاب الحديدي يدفعونها نحو الثلاجة..ستجد طالب وصديقته أو شلة يتسامرون والنزيف الكئيب يستمر ليتجمع في الثلاجة..ولا بأس أن تتسلى قليلا بالنساء المنتظرات أمام المشرحة المتشحات بالبكاء والعديد.. ولا حرج على طلبة الطب أو الأطباء..فهم لن يهجروا ماكزيلا للعروض السوداوية المستمرة هناك..فهم من أول يوم تعاملوا مع الموت كأنه هو المادة الأولى المقررة عليهم..
تبدأ قصة الموت مع مشرحة ال anatomy ..والموت هنا متغضن ومتخشب وداكن وغير واضح المعالم..موت مجرد عضلات ممزقة وأوتار وأعصاب متفرقة وفورمالين قوي المفعول..موت تحول إلى دمية تستهلك حتى آخر قطعة لخدمة العلم..ولكن لا تطيل النظر في إفراط لوجه الموت فوجهه لا ينظر إليه لأنه قد يتشكل بأشكال غير مبهجة..
يستمر الموت هنا مع طالب الطب في دروس ال pathology..الدروس تكون عند الثلاجة السالف ذكرها ولكن على أعضاء منفصلة..هنا قد يتم إدخال أو إخراج أجساد كفنتها يد الموت الطازجة..حيث لازالت رائحة الحياة تخرج ببطء متمهل..
ولكن الأمر الأسوأ على الإطلاق في سنة الامتياز حيث يتجسد الموت أمامك صادما إياك معلنا أن كل ما حفظته في ست سنوات قاصر وعاجز أن يحبس روحا في جسدها..
وسبحان الله...
ولكن سيتواصل المرح وتتفاعل الذكريات السعيدة دوما عند ماكزيلا..فالأيام الحلوة محفورة هناك عند طلبة الطب ومنهم العبدلله..
يعيش ماكزيلا..يعيش..

2 التعليقات:

Belal Badawy يقول...

بجد حلوة جدا ، المهم انا عندى شوية اجابات على بعض الاسئلة او هكذا اعتقد فانا اعرف صاحبة التسمية وهى دلوقت فى الفرقة السادسة معانا واقدر اقول بكل ثقة ان التسمية اساسا تطلق على الكشك الاول اللى جنب معهد تمريض وكمان انا ممكن ازود ان فى على الفيس بوك جروب لعشاق ماكزيلا وتحياتى

mostafa mamdoh يقول...

شكرا يا بلال وكويس انها عجبتك وعلى فكرة أنا سمعت بعد كتابة الموضوع عدة حكايات أخرى وعلى العموم في الآخر أعتقد أن ماكزيلا سيظل أحد الأشياء المهمة عند كل واحد مر على القصر العيني..