
صراخ عويل عديد وجناح غراب أسود يطوي القلوب ويطير بها إلى هاوية حزينة.
حمامة عضه كلب شرس ذيله مقطوع في أذنه، الكلب برك على أجنحة الحمامة وحمامة برك على الكلب الشرس ليأخذ حمامته، الحمامة طارت إلى سماء الله والكلب عض أذن حمامة.
أين راحت الحمامة؟
لم ير أحد الحمامة، ولكن لأن حمامة أصلا لم تكن له حمامة فلم يبحث أحد عن تلك الحمامة.
بكاء ونحيب كالرعد يمخر في الفضاء:
نروح فين بعدك يا أمه....الطبيب جاء واخترق كتلة الكائنات المسماة بالحريم المتشحات بلون أسَود من جناح غراب يتيم وتائه. يعقد حاجبيه ويتصنع الجدية والموت في عظامه وعظام الميتة سواء.
مر من الفناء كما تمر السكين في قالب الزبدة، الحريم يفسحون له السكة الموصلة لحجرة المرحومة التي يعلم الجميع أنها مرحومة ولكن لإعطاء الإشارة الخضراء للمغسلة التي لم تنتظر الخبر اليقين وطرطشت الماء على الجثمان والأرض وتسرسب الماء من الباب الخشبي القديم على السلم على الحريم.
يفتحون الباب للطبيب الشاب الذين بعد أن رأى الموت ولم يحسه بيده جرى وانخلع قلبه ولكنه كتم وأكد لروحه أن المغسلة التي انكشف لها الموت مرارا حتى صارت تتآنس به تعلم أكثر منه.
أذن حمامة دامية ومخرومة من ناب الكلب الشرس.الطبيب يخبط في حمامة ويلوث دم حمامة بالطو الطبيب الرمادي،
الطبيب يمسك حمامة ويقول له:
ايه اللي عملك كده.
الكلب أبو ديل مقطوع..أصله كان حياكل حمامتي.
أخذ الطبيب حمامة معه إلى العيادة وأعطاه حقنة متينة وسرج أذنه المخرومة بخيط أسود متين.
طار حمامة إلى العزاء وأذنه مغرزة بالخيط الأسود.
الجنازة خرجت- أخذها الرجال وذهبوا.
أم حمامة تلقفته وقالت له:
روح هات الصواني مع البت من الفرن.
من أين؟ خاطر سريع لحمامة، البيت على الحديدة. المش والقوطة عجنوا معدته طوال الليل، يقوم كل فترة ويملأ بطنه ماءا من الزير، من فين جابت أمي الصواني؟ ولا هي مدكنة من ورانا!
يلحق حمامة البنت في الفرن. تقف مع سعدية شغالة الحاج أحمد. الحاج أحمد رجل غني وعنده طين كثير. لابد أن الصواني التي ستخرج لسعدية ستفوح منها رائحة اللحم وما تشتهيه الأنفس.
ازيك يا بت يا سعدية.
وصواني أم حمامة باذنجان أسود محروق لا تعجب الفأر الذي يختبئ الآن أمام عينه في أجولة الدقيق المسندة على الجدار البالي.حمامة يغمز لسعدية فالبت سعدية ناضجة وفائرة ولكنها لا تعير انتباها لخفة دم حمامة- تأخذ صوانيها وتعطيها للفران- الصواني فراخ ولحمة ووسط الفراخ حمامة وحيدة محشية.
حمامة!!!لوحدها.
الغراب الأسود ينقر القلوب يحفر عليها الاسم المعلوم فينزل القلب منهم جمرة مشتعلة على صاحب النصيب المقسوم.
تتفتح أبواب كانت مغلقة لتدخل حاسرة الرأس يسافر شعرها المصبوغ البائس إلى كل عين في البلد:
ملحقتكييييش ياختي...
وصياح متباكي حزين يعلو بالهمم المنهكة:
أخدك الموت يا غالية!
وواحدة تميل على أخرى في الهرج:
جايه تشوف الدهب والفلوس.
وقرينة تهمس لجارتها:نقبها حيطلع على فشوش.
وثالثة تعدد على الفقيدة.
لم يكن حمامة غافلا عن الصواني، الرجال والأذرع والأكمام المشمرة تغرف لا تبقي ولا تذر، هذه من بيت حمدان الفلاح و الديك من بيت سعيد مدرس الابتدائي والعجل المسفوح من بيت سيد تاجر المواشي والباذنجان المحروق من بيت أم حمامة.
طبيب الوحدة لازالت أصابعه معلمة على أذن حمامة ولازالت حقنته تحرق عجيزته، قاعدا وملقيا البالطو الرمادي الذي وقّّّّّّّّّّّّّّّّع حمامة عليه بدمه ومنفردا بالحمامة في زاوية، الحمامة تنز بالسمن وتتساقط حبات الفريك منها على التراب.
حمامة يقف أمام الطبيب في خشوع يتأمل الحمامة، اللقمة تقف في زور الشاب ويشير لحمامة فيأتي.
فيه حاجة يا حمامة.
حمامة يرفع صباعه للسماء ويتمتم.حمامتي.
يأخذ الطبيب ما تأخر من الحمامة عن القرض يعطيها لحمامة فحضنها بكفيه وخرج.وفي هالة المكان وجد الكلب الشرس المقطوع ذيله يتمسح وحمامة يحضن ما بقي من الحمامة ويتوجس ويحذر.الحمامة كانت ساقا ومؤخرة.
خلع حمامة الساق ومضى ينزع عنها الجلد، يأكلها وينظر للكلب الشرس، الكلب يزمجر وتجذب رائحة الصواني والحمامة خياشيمه، سال لعابه وأرخى أذنيه لحمامة في استجداء.ألقى حمامة مؤخرة الحمامة للكلب وناول لفمه طرف جلبابه وطار.
0 التعليقات:
إرسال تعليق