30 يونيو, 2008

البيت القديم


كان يمشي على الجسر، يعبره ليبلغ الشاطئ الآخر عندما ظهر له من وسط البرجين.
أوقعت الرؤية في نفسه الدهشة. لم يدر أنه قد يراه بقدر تلك المسافة. واضحا ومنتصبا، ربما بريقه قد خبا مع اصفرار جدرانه والإهمال الملحق بنوافذه الخشبية الطويلة، وجب عليه أن يقف في نقطة معينة من الجسر ليراه، ثبت في منتصف الرصيف، اصطدم به العابرون، سبه واحد ودفعه آخر.وقف حتى ألهبت الشمس رأسه. أغلق عينيه من شدة الوهج. استكمل السير، داعبت الذكرى خياله.. كيف تعرفا على بعضهما.يحمل فوق رأسه خبزا، يقطع الشارع ليعود إلى المنزل، تدوس رجليه على التراب والطين، يتفادى الأحجار البارزة في الطريق، جاءت تلك السيارة المسرعة، غير عابئة بضيق الطريق وعدم وجود الرصيف، ارتد للخلف، سقط الخبز ليصبح مغموزا بالوسخ والطين.أسند القفص على الجدار، يتباكى على الخبز المنثور، تصور إيابه خالي الوفاض، نظرة أبيه وكفه التي لا تلين، عندما ظهر وسط الناس بجلبابه الأزرق، بدا مميزا وسط الخلق، اقترب منه، ربت على منكبه، حدق فيه بعينيه الواسعتين، سرت في أعضاءه قشعريرة غريبة، سكن بعدها، سرح في أفق عينيه.أخذه الرجل من يده، لم يعلم إلى أين، يحمل قفص الخبز في يده الشاغرة، ابتاع الرجل له خبزا، أعطاه حلوى، قال له:- أراك غدا.لم يسأل أين وكيف. تركه ورحل، تزيل الغبطة أثر التفكير فيما كان. لم يظهر الحلوى لأمه وأخوته، يجترها في الخفاء، دغدغت حلاوتها براءة لسانه، مضى يتباطأ في بلعها حتى يستحوذ على مكنونها كله. لم يفق من نشوة الحلوى حتى برز له الرجل، يسأله عن أحواله، وعن الحلوى هل أعجبته، هز رأسه وفتح فمه، ظهرت الألوان صابغة شفتيه ولسانه.ترك كفه للرجل صاحب الجلباب الأزرق، كأن المعرفة بينهما متوطدة منذ سنوات، قطع به شوارع وحواري، لم يحس بالغرابة أو يدق قلبه بالخوف،وصل الرجل إلى البيت كان الفناء به أطفال كثيرون، كلهم يأكلون الحلوى وتصطبغ شفاههم بالأصباغ الزاهية. استمر يأكل الحلوى ويلعب مع الأولاد حتى أنهكه الأكل واللعب، لا يفتأ يرجع للبيت لينهل من اللذة كل يوم.لم يعرف أحد من هؤلاء الأولاد من قبل، لم ير أحد منهم في المدرسة أو الشارع، منهم سود البشرة وآخرون عيونهم مسحوبة لأعلى. مرة وقف وسطهم. حاول أن يفهم سر سعادتهم، سبب عدم توقفهم عن اللعب، لكنه وجد نفسه مثلهم، فكف عن السؤال، يجري في الفناء الأخضر، ويتقن ألعابهم التي لم يكن يعرفها من قبل.في يوم ما فكر من أين تأتي الحلوى؟ لابد أن بالداخل كثير منها. حاول أن ينظر عبر النوافذ، كلها كانت عالية عليه. اقترب من الباب وتصنع اللعب. عندما خرج الرجل تسلل إلى الداخل في خفة. كان البيت مملوءا بالكتب والتحف. لم يجد ما يثير اهتمامه. خرج للفناء والحلوى.قطع المسافة للبيت القديم مأخوذا لا يشعر بشيء.وقف أمامه ثم دخل. كان الفناء خاليا، الحشائش هنا وهناك، لا أثر لإنس ولاجان. طرق على الباب. التراب يغمر كل الأشياء. فتحت له امرأة عجوز. سألها عن صاحب الدار، قالت إنه متوعك وإنه سينزل إليه بعد قليل. تأمل الكتب والتحف الموضوعة كما في السابق. أطال الانتظار ولم يظهر أحد. أصابه الملل. قام وخرج بعد أن أغلق الباب خلفه.

01 مايو, 2008

المشنوق

قفز المنبه، صارخا، راقصا في جنون على صدري، مهتزا في انفعال هستيري، في شهوة بالغة أن يسحبني من نومي،كتمت ضجيجه بالوسادة، لكنه أرسل ثعابينه من أسفلها في إصرار. أطبقت في خناقه، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في يدي ثم رميت جثته على الأرض. استمتعت بإغلاق جفوني للحظات. فتحت عيوني. كان ذلك الأسود الكبير واقفا على حافة نافذتي. حاولت طرده من قبل ولم أنجح. ينظر إلي بجانب عينه. كنت أحد محطات رحلته الصباحية. أحيانا ينعق بصوت شديد القبح. وفي مرة جلب معه رفيقته. وكانا ينظران إلي بجوانب عيونهما معا. يميل هو على رفيقته السوداء ذات الريشات البيضاء على ذيلها القصير، كأنه يتندر علي معها. يجب أن أعطي نفسي عدة دقائق إضافية قبل حضور أم حمادة. حاولت استحضار أحلام الليلة السابقة. مكينة الأحلام خاصتي تعمل طوال الليل، وحتى في تلك الأوقات بين اليقظة والنوم التي تغمرني أثناء اليوم. انتقل من حلم إلى أخر في تواصل لا ينتهي. أحيانا أدرك أني داخل الحلم. قد يفسد هذا كثيرا جودة الحلم ويكون سخيفا. البارحة كانت لي جيوبا كثيرة في جسدي. كنت أدخل وأخرج الأشياء بكل حرية. لم يكن الأمر مزعجا أو مؤلما. كان مسليا إلى حد كبير. مساءا أثناء العودة، ماشيا على الكورنيش، كان بائع الفل العجوز يترقب السيارات في الإشارة، ليبيع عقود الفل، ترك السيارات المتوقفة ثم اقترب مني. تشتري فل يا بيه!.فل. تركت ذراعه معلقة في الهواء ومشيت. جاء من وراءي. وضع عقدا من الفل في رقبتي ثم رحل. مشيت مدة مطوقا بالفل. ثم خلعته وألقيت به في النيل.أجمل مراحل النوم هي القرار، عمق البئر حيث الظلام الدامس والتغييب الكامل. جاءني أحدهم-لا أعلم من هو- سلمني لفة من الأوراق. قرأتها. كانت مذكرات حبيبتي التي لم أراها منذ سبع سنين. تحكي أنها تتأفف من رائحة زوجها وأنها لا تطارحه الفراش. لففتها في سعادة. ثم وضعتها في أحد جيوبي في حرص.

فرد الطائر جناحيه العظيمين ثم طار.

انطلق المحمول في عزفه الماجن. حسن يذكرني بموعده معي. دب النشاط في أطرافي. نظرت إلى الحلقة والحبل في السقف. باقي لي وقت قليل قبل حضور أم حمادة لممارسة طقوسي. قفزت من الفراش، أصابني ذلك الصداع المعتاد. فردت نفسي وأمسكت الحبل. طوقت به رقبتي. ثم قفزت من فوق السرير. أختنق. أرى نفسي في المرآة. أوردة رقبتي تنتفخ بالدم. لا أرى سوى السواد. السواد المطلق. السواد الكاتم للأنفاس والأحلام والتفكير. الرغوة تتساقط من فمي. تغرقني في بئر ناعمة بلا قرار. أترك نفسي، أتركها، تلك المساحة الضيقة بين الأنا والمجهول. أغوص فيها ببطء.أتجاوز مرحلة الألم إلى مناطق أخرى. ثقل جسدي يشدني إلى الأسفل، ينفلت الحبل من الحلقة. أقع على الأرض. أرقد لدقائق. ألتقط أنفاسي. أتحسس رقبتي..ثم أقوم..

.......................فرد الطائر جناحيه العظيمين ثم طار.
دائما ما تنزع أم حمادة الحبل. لعلها تتساءل المسكينة عن سبب وجود الحبل المعلق في السقف. تفكه ثم تضعه على المرآة. قبل النوم أعقده مرة أخرى في الحلقة. لذلك عندما يدب النشاط في عروقي، وأقفز من السرير. يكون دائما معلقا في الحلقة.
............أرقد لدقائق،ألتقط أنفاسي،أتحسس رقبتي..ثم أقوم..

................فرد...ثم طار.
حدث شيئا ما غريبا البارحة. لم تنزع أم حمادة الحبل. متدليا كما هو من الحلقة. دب النشاط وقفزت.طوقت رقبتي. أختنق،لا أرى سوى السواد. أتجاوز المناطق. لكن ثقل جسدي لا يشدني. الحبل تغير. تغير! تغير! الحبل مربوط في قوة! الغبية ربطت حبلا جديدا!تركت تلك المناطق المغيّبة. أخذت أتلوى في تعلقي. علقت يداي في الحبل. انقبض وانبسط. أجاهد لأجذب الهواء إلى رئتاي المقبوضتين. الحبل مربوط في قسوة. لا أرى. كنت أعلم بوجود أعواد الثقاب على المنضدة القريبة أسفلي. الوجوه التي عرفتها في حياتي تتكون أمامي. كلها عاجزة عن إنقاذي.الأماكن التي زرتها. الناس في المكتب.أم حمادة. وحتى بائع الفل.قدمي لا تصل إلى علبة الثقاب. سلمت نفسي. بدأت ارتخي. لم تعد يداي قادرتان على التماسك. مددت قدمي الأخرى حتى المنضدة. استطالت قدمي حتى العلبة. أمسكتها بأطراف أصابع قدمي في حرص. تركت يدي المتمسكة بالحبل. أقاوم السواد بكل ما استطيع. أتناول عود الثقاب. أحكه مرة وأخرى، يشتعل. أقربه من الحبل. يحترق الحبل في بطء. أترك نفسي.أقع على الأرض. الألم ينهل مني بلا رحمة.

...................ثم طار.
هذا الصباح أجهز الحبل بنفسي. حبلي أنا. أعقده وأتأكد منه تماما. ثم أقفز.

21 أبريل, 2008

تبيعلي حكايتك بكام يا عم؟

بعد الصلاة، وأنت خارج من المسجد، أو في المترو، أو حتى على القهوة، يأتي هو أو تأتي هي، بعيون كسيرة تمسح الأرض ونعليك والجزء الصغير الطيب من قلبك، في الأيدي ورقة منشرة، مغسولة بالعرق وكثرة الاستعمال والتداول..
الورقة تحتوي على حكاية ولأننا عادة ما نصدق المؤلف ونقرأ اعتمادا على حسن كذبه ورغبة منا في لذة الانخداع، فسنفترض أن تلك حكاية حامل الورقة ولأن حامل الورقة نادرا ما يتكلم فالافتراض هنا غير مؤكد..
المهم.. كان هذا الرجل الريفي، مقوس الكرش، كث الشارب، باركا أمام الجامع وحاملا للورقة، الورقة فيها الحكاية والحكاية تراجيدية غالبا، من النوع الذي يضارع مآسي الإغريق في بؤس المنقلب وانسداد الحلول إلا أن أضع في يده بعض الفكة..
وكانت الرغبة شديدة في أن أقرأ الحكاية، فالحكاية طويلة والورقة مفتوحة ولكن الرجل لا ينتظر أن يمسك أحد الورقة ويقرأ ولا يدفع، هذا هو القانون، تقرأ تدفع أو هو قانون أذواق التعامل مع الشحاذين على أقل تقدير..ولم يكن في جيبي تلك الفكة والحكاية تبدو جيدة التوليف بالفعل..لمحت كلمة الخفير وكلمة بيت.. لابد أن كاتبها فيه بذرة أديب حقيقي..قصة قصيرة من النوع التشيكوفي الحزين..
ذهبت وفككت بعض الفكة ودرت ورجعت..كانت القصة بها العبق الذي يجبرك أن تشتري رواية لكاتب مجهول لك لأنها تبدو جيدة..
وعندما عدت كان هو قد ذهب حاملا حكايته مثقلة بالفكة التي جمعها..

20 أبريل, 2008

maxilla



لا تمتلك كلية الطب حتى الآن – في وقت كتابة هذا الكلام- أي كافتيريا للطلبة، ربما بعض "الأكشاك" المتناثرة المطلق عليها زعما كافتيريات، ربما من بنى تلك الكلية العتيقة ظن جهلا وزورا أن طلبة الطب لا وقت لهم ينفقونه في كافتيريات، لكنه لم يعلم أن الطلبة سيتلطعون على الزوايا والأركان في الساعات الشاغرة الكثيرة التي سيقضونها في الكلية..
المهم بعيدا عن تلك الثرثرة فإن أحد أشهر
تلك الأكشاك هو ماكزيلا.. maxilla تعني عظمة الفك العلوي ولا أحد يعرف سبب التسمية..أو أنه لم يصل السبب الحقيقي لي..هذا في علم الغيب وهو من أحكام الأقدار على طلبة الطب مثلها مثل عدة أشياء أخرى كثيرة..وماكزيلا قد يكون كشك واحد من عدة أكشاك متجاورة أو هو كل تلك الأكشاك مجتمعة وربما لا بد هنا من توضيح الكيان التشريحي لكلية طب القصر العيني أو للقصر العيني عموما..
القصر عبارة عن فم وأمعاء ومؤخرة..
الفم هو باب العيادات الخارجية وهو يبدأ من بعد الكوبري القصير الموصل لشارع القصر العيني..يأتي المرضى هنا من كل حدب وصوب..مرضى بكل الأمراض التي رأيتها ولن تراها في أي مكان في العالم..فقراء ومتوسطي الحال وكادحون وموظفون بؤساء..يلملمون أطراف أمراضهم المستعصية على المداواة إلى فم القصر العيني..البعض يكتفي بالفم والبعض الآخر يدخل الجسد العملاق وينزلق ليتم حجزه في الأمعاء \ المستشفى..
الأمعاء هو المستشفى صاحب الطبقات والدركات والمقامات التي لن يتسع الموضع هنا لشرح وتوضيح ما يحصل فيها من الهضم والعجن والامتصاص والتحلل والتحمض والارتجاع..لذا فأرجو أن يتم إشعال موقد الخيال عند تلك النقطة...
وبيت القصيد أو المؤخرة وهو مقر ماكزيلا هو ما يهمنا هنا..
المؤخرة حيث يستقر ما وجب إخراجه من المستشفى إما لإعادته بعد تطهيره ..أو لطرده بلا رجعة وهو الموتى..تخيل عدد الذين يدخلون القصر وتخيل العدد الذين يخرج منه إلى هذا المكان الموحش الكئيب "ثلاجة حفظ الموتى" وراء ماكزيلا تماما..تمسك في يدك علبة الكانز تحتسيها في استمتاع فتجد ثلاثة أو اثنين يجرون الترولي المغطى بالحجاب الحديدي يدفعونها نحو الثلاجة..ستجد طالب وصديقته أو شلة يتسامرون والنزيف الكئيب يستمر ليتجمع في الثلاجة..ولا بأس أن تتسلى قليلا بالنساء المنتظرات أمام المشرحة المتشحات بالبكاء والعديد.. ولا حرج على طلبة الطب أو الأطباء..فهم لن يهجروا ماكزيلا للعروض السوداوية المستمرة هناك..فهم من أول يوم تعاملوا مع الموت كأنه هو المادة الأولى المقررة عليهم..
تبدأ قصة الموت مع مشرحة ال anatomy ..والموت هنا متغضن ومتخشب وداكن وغير واضح المعالم..موت مجرد عضلات ممزقة وأوتار وأعصاب متفرقة وفورمالين قوي المفعول..موت تحول إلى دمية تستهلك حتى آخر قطعة لخدمة العلم..ولكن لا تطيل النظر في إفراط لوجه الموت فوجهه لا ينظر إليه لأنه قد يتشكل بأشكال غير مبهجة..
يستمر الموت هنا مع طالب الطب في دروس ال pathology..الدروس تكون عند الثلاجة السالف ذكرها ولكن على أعضاء منفصلة..هنا قد يتم إدخال أو إخراج أجساد كفنتها يد الموت الطازجة..حيث لازالت رائحة الحياة تخرج ببطء متمهل..
ولكن الأمر الأسوأ على الإطلاق في سنة الامتياز حيث يتجسد الموت أمامك صادما إياك معلنا أن كل ما حفظته في ست سنوات قاصر وعاجز أن يحبس روحا في جسدها..
وسبحان الله...
ولكن سيتواصل المرح وتتفاعل الذكريات السعيدة دوما عند ماكزيلا..فالأيام الحلوة محفورة هناك عند طلبة الطب ومنهم العبدلله..
يعيش ماكزيلا..يعيش..

رداء ابراهيم


"رداء ابراهيم" هي من أوائل ما كتبت من القصص..و تعود أهمية النص لي على الأقل أني قد عالجتها كنص مسرحي قصير تم عرضه على مسرح كلية الطب منذ أكثر من عام..وقد قمت بأداء دور ابراهيم في العرض..وبقية الادوار مثلها ممثلو فرقة المسرح ..وقد كانت تجربة فريدة بالفعل أن تتم في وقت أعتبره مبكرا..

وهذا هو نص المعالجة الذي جرى عليه بطبيعة الحال بعض التعديلات والزيادات المحدودة مع الاعداد الفعلي للنص على خشبة الواقع..


(نرى فى وسط المسرح ابراهيم منكفئا على نفسه..نسمع صوت الجنازة-صراخ وعويل-عال جدا ثم يخفت تدريجيا حتى يختفي..إبراهيم يواجه الجمهور..نراه في حالة مزرية تماماوفي قمة الحزن والإنفعال..(الأداء الحركي في المشهد يتوافق مع الكلام و الحالة النفسية..الكلام تقطعه لحظات من الصمت والبكاء..)

إبراهيم:الشيخ مات..الشيخ مات..راح..مش حقدر أشوفه تاني..الله يرحمه..زمانه بإذن الله في الجنة دلوقتي..وشه كان منور وهو بيودعني..حتى وهو بيموت كان باين عليه رضا ربنا..ربنا يصبرني على فراقه..بس الشيخ مامتش..أبدا..ده حي(يشير لقلبه)جوايا..بروحه وبكلامه وبوشه الطيب المنور..من أول يوم جيت فيه هنا..وأنا قاعد وسط التلاميذ..وأنا حاسس بيه..كان يبتسم لي..ويقول لي أنا شايف جوه عينيك إنك عايز توصل..إن شاء الله حتوصل..بس خطوة خطوة..الطريق صعب وطويل..ومحتاج مجهود..ومن ساعتها وهو مقربني منه..من وسط كل التلاميذ..يفتحلي أبواب العلم باب باب..الله يرحمه..كان دايما يقول لي على أسراره..يقول لي المعرفة سر يعرفها بس اللي يقدر عليها..أنا شايفه..هنا كان بيصلي..وهنا كان بيقرا القرآن..أما هنا كان بيسبح..وهنا بقى كان بيدي الدرس وأنا قاعد جنبه..خلاص راح..الشيخ مات..ما سابش حاجة..ولا زوجة ولا ولاد ولا فلوس..ما سابش غير العباية دي..العباية اللي كان بلفها عليه وهو بيصلي في ليالي الشتا..وفي الصيف يفرشها ويصلي عليها في الخلا..هي دي الحاجة اللي فاضلة منه دي بس..

(يحتضنها ويبكي..لحظات من السكون)

(عثمان يدخل المسرح وهو يعرج)

عثمان:السلام عليكم

إبراهيم(صوته لا زال متأثرا):وعليكم السلام

عثمان:ما شفتكش بعد صلاة الجنازة يا إبراهيم..أنا حسيت بيك..عارف الشيخ كان بالنسبة لك كان إيه..اصبر وشد حيلك..

إبراهيم:الشدة لله وحده..

عثمان:كل الناس قاعدة في بيوتها..الكل راكبه الحزن محدش مصدق..

(عثمان يلف في المكان ويبحث عن شئ ما..إبراهيم ينظر إليه في إرتياب..)

إبراهيم:النهارده كان يوم صعب وطويل..

(عثمان يستمر في حركاته المريبة)

عثمان:أيوه..

إبراهيم(يضع يده على كتف عثمان):طيب أشوفك بكره بقى..

(عثمان يمسك عباءة وتتملكه النشوة..إبراهيم ينظر إليه في إرتياع)

عثمان:اديني دي يا إبراهيم..فيها ريحة الشيخ..

إبراهيم(يمسك فيها وينفعل):أبدا..مستحيل..

عثمان: لازم اخدها..

إبراهيم:على جثتي..

(المسرح يظلم تماما ونسمع صوت صرخة من إبراهيم)

*****************************************

(على يمين المسرح نشاهد المقهى..رجال جالسون يتضاحكون ويدخنون..عثمان يدخل المقهى"يجر عرجته"ويبدو كأن لا أحد يشعر بوجوده)

عثمان:السلام عليكم..

(لا أحد يرد عليه)

عثمان: عندي خبر عن الشيخ..

(الجميع يلتفتون ناحيته ويسيطر عليهم الاهتمام)

عثمان:الشيخ قبل ما يموت..اداني العباية بتاعته..قال لي يا عثمان..وصية ليك..تدي كل واحد في البلد حتة من العباية عشان البركة تعم عليهم..

رجل من الجالسين:ربنا يهنيه في الجنة..

رجل آخر:عاش كريم ومات بردوا كريم..

عثمان: بس قال لي يا عثمان.. اللي ياخد منها..لازم يدفع صدقة للفقراء والمساكين.. لازم تاخد منه صدقة تديها للغلابة يا عثمان..

رجل:ربنا يعزه..ربنا يعزه..

(يظلم المسرح ثم يضئ لنجد المنظر كالتالي،على أقصى اليمين المقهى كما هي،وعلى أقصى اليسار عثمان يجلس وفي رقبته مسبحة ضخمة وأمامه مجمرة بها بخور ونشاهد إمرأة تجلس أمامه)

المرأة:سمعتك بترن زي الطبل يا مولانا..والنبي جايالك من بلد بعيدة على حجاباتك اللي مبتعوقش.

عثمان:كله من فضله..

المرأة:قصداك في طلب..وأوعى تمشيني زعلانة مكسورة الجناح..

عثمان:طلباتك أوامر يا ست الكل..

المرأة:جارتي أم هند كيداني ومحمضالي المرارة(تشير إلى جنبها)..عاملة فرح وزيطة وزمبليطة..كل ده عشان ايه..قال هند بتتجوز يا اخويا..

عثمان:وماله ده يا ستي؟

المرأة: دي قاصدة تغيظني..كل ده عشان بناتي لسه ما جالهمش العدل..شفت قبل كده حد يعمل كده..ده برده يرضي ربنا..

عثمان:أبدا أبدا..دي ظالمة ومفترية..أنا حعملك حجاب من العباية..يرد كيدها عليها وما مينولهاش مرادها أبدا..

المرأة:بس اتوصى شوية يا مولانا..

عثمان(يفرك أصبعيه دلالة على النقود):انتي كمان اتوصي وانا اقطعلك حتة زيادة تجيب خبر هند نفسها..

المرأة:ربنا يباركلك..

(عثمان يعطيها الحجاب.ترحل المرأة.يضع النقود في كيس كبير ملئ بالنقود.يقربه من وجهه وهو في قمة السعادة.يقرب ما تبقى من العباءة منه وهو يقول:يا وش السعد!،تقع أوراقا من العباءة..يلتقطها.ينظر إليها في ذهول)

عثمان:ايه ده..الحاجات دي زي اللي كان ابراهيم بيكتبها ورا الشيخ..ايه اللي جابها هنا..مستحيل..ممكن اكون جبت عباية ابراهيم غلط..(يفتش فيها ويجد مسبحة)..لأ دي مسبحة ابراهيم..ممكن اكون وزعت عباية ابراهيم على اهل البلد كلهم؟

(يتجمد عثمان على هذه الصورة،نسمع صوت طبلة يطرق بإيقاع رتيب طوال المشهد التالي وإلى النهاية،في أقصى اليمين يدخل المشهد اثنان يحملان ابراهيم جثة هامدة وهو يرتدي عباءة الشيخ،يقفان في المقهى ويستمران في حمله طوال المشهد)

أحد الرجلين:ابراهيم انقتل يا اهل البلد..ابراهيم انقتل يا ناس..

الرجل الآخر:لقيناه مقتول في بيت الشيخ..رجل من الجالسين:من المجرم اللي يقتل ملاك زي ابراهيم؟

رجل آخر:طول عمره في حاله..

رجل(يميل على العباءة):مش دي بردوا عباية الشيخ..

رجل:ايوه هي..والله هي..*:امال عباية ايه اللي مع عثمان دي؟*:عثمان طلع بيضحك علينا..*:الكلب النصاب!*:يبقى العباية كانت مع ابراهيم طول الوقت ..عباية الشيخ بتاعت ابراهيم..العباية بتاعت ابراهيم



في ليلة ملونة كان علي يتزوج وكذلك أحمد.

كانا توءم روح واحدة في أيام الدراسة وكنت أنا ثالثهما.

لم يكن يفصل حديقة الفرح سوى مائة متر عن قاعة حفل الزفاف، وجب علي أن أقسم الليلة إلى ليلتين منفصلتين ليلة لعلي وليلة لأحمد. تساءلت إن كانا يقصدان ذلك. بالتأكيد كل منهما علم بموعد زواج الآخر. لم أرهما مع بعضهما منذ زمن. لكن لا أظن أنهما لا يتبادلان المهاتفات من حين لحين.

بدأت بفرح (علي). ارتديت بذلة كحلية وذهبت إلى هناك. كان السرادق منصوبا، الأضواء متوهجة، بعض الأطفال المرتدين لملابس مزينة بترتر لامع يلهون على باب الفرح، والد (علي) في الاستقبال، رقبته ملفوفة بربطة عنق حمراء منقطة بالأبيض، شد على يدي، حالة من البهجة الصامتة تتنفس الفرح، السرادق يقسم الفرح إلى قسمين منعزلين: واحد للرجال وآخر للنساء.

انتشر الملتحون في الفرح، أكثر المعازيم ملتحون. تتوسط جباههم زبائب سمراء. لكنهم يرتدون قمصانا وبنطلونات. هنأت (علي) واندسست في جمهور الحاضرين. وأنا أبارك له تلقف هو الميكروفون وبدأ الفرح بأن تلى بعض الآيات بصوت عذب.

مرة قال لي صديق:- قراء القرآن نوعان. النوع الأول تجده رخيما قويا في أداءه. يذكرك بالحصري والمنشاوي. والصنف الآخر لهم أصوات رقيقة وأداء يبتغي الوصول إلى قلوب المستمعين دون شدة إخراج الأصوات كما في النوع الأول. وهؤلاء يشكلون معظم جيل الشباب من القراء.

وقد كان (علي) من صنف الشباب.


في إحدى الأيام كانت المدرسة مغلقة بأبواب وسلاسل من حديد. لم يكن مسموحا لأحد بالخروج مطلقا. كان الموكب على وشك المرور. من الصباح تم تنظيف جميع الشوارع، ثم أغلقت ومنع مرور أي كائن كان فيها. قيدوا حبال غليظة بين عواميد الإنارة لمنع نزول راكبي الرصيف إلى الطريق. رصوا آلاف العساكر صغار السن على جانبي الطريق. لفحت الشمس الجميع. اختار الناظر عدة تلاميذ من الذين توسم فيهم صلاحا لمجاورة العساكر جنبا بجنب: يمسكون ورودا حمراء بلاستيكية وينحتون ابتسامة على وجوههم الصغيرة. وددت يومها لو أتمكن من رؤية ذلك المار. لم أكن من التلاميذ المحظوظين الذين سيمسكون الورود. فضفضت لأحمد وعلي عن خيبة الأمل. ابتسما في سخرية العارفين ببواطن الأمور. سيمر سريعا ولن يتمكن أحد من رؤيته خلف الزجاج المعتم الذي يخفي كل شئ.صممت أن أخرج إلى الشارع لرؤية الموكب مهما حدث.كنت أدرك اقتناع علي وأحمد الدائم بوجوب كسر المألوف. وكنت أدرك أني استطيع اقناعهما.


في زفاف(أحمد) كانت هي هناك. أجمل ما في حفلات الزفاف تلك أنك ترى من لم تكن تظن أنك ستراه أبدا. كانت جميلة جدا كعادتها. لم تزدها الأيام إلا نضرة وبهاءا. وضعت على وجنتيها بعض من المسحوق الأحمر الذي كان يلمع بشكل لافت ليضئ ابتساماتها.هل ستتذكرني؟


كانت هناك تلك الفجوة في السور. لحسن الحظ كان التلاميذ جميعهم في الفناء. لذا لم يكن من المتوقع ملاحظة ثلاثة من الفارين. الفجوة في طرف الحديقة وتطل على منطقة مهجورة بعيدة عن الشارع. كانت الخطة هي تسلل (علي) ثم أنا ويأتي (أحمد) بعدنا. ومع زيادة الحرص قد يحالفنا النجاح ولا ننكشف.


لم أرها ترتدي فستان كهذا من قبل. يلفها كقطعة الحلوى اللدنة. بدت كأميرة من إحدى حكايات الجنيات. جاورت أصدقاءها تصفق وتغني معهم. كانت سعيدة جدا. شدتها فتاة متبرجة تدعوها للرقص. وهي تهتز كانت روحا في ثوب تفاحة أرضية ناضجة. هي الحب والألق والسمو والرغبة.


في اليوم التالي ارتفع الناظر إلى منصة الإذاعة واستحوذ على الميكروفون.

- البارحة شرف سيادته مدينتا الصغيرة وقد كان بلا شك يوما رائعا مجيدا وتاريخيا..

وقال.- ولابد أن نشكر التلاميذ المتفوقين الذين كانوا واجهة مشرفة لمدرستنا أمام سيادته..

وقال أيضا.- كما أنه لابد أن نعاقب قلة خرجت على السلوك القويم وكادت أن تتسبب في كارثة لولا ستر الله عز وجل..

ووضح.- سأنادي الآن على التلاميذ الثلاثة الذين تسببوا بغباءهم في تلك المشكلة الصغيرة ليتم معاقبتهم على الملأ أشد العقاب!

بعد فسحة البارحة عاد التلاميذ إلى فصولهم. وتم مراجعة دفتر الغياب الذي وقع صباحا..


سأشارك أنا أيضا (أحمد) الرقص. لست تفاحة لكني سأرقص.


بعد الثلاثين ضربة على مؤخرات أقدامنا أمام التلاميذ كان (علي) و(أحمد) غاضبين.لم نره. فقد كان خلف الزجاج المعتم. حتى الممسكين بالورود البلاستيكية لم يروه.


عندما مررت بجانبها نادت على اسمي. ألقمت يدها الموسيقية أصابعي وجعلتني أحلق في عوالم ملونة وجميلة. فقد تذكرتني.

حمامة

nu=3236>994>764>WSNRCG=3233_6<37753;nu0mrj.jpg">




صراخ عويل عديد وجناح غراب أسود يطوي القلوب ويطير بها إلى هاوية حزينة.




حمامة عضه كلب شرس ذيله مقطوع في أذنه، الكلب برك على أجنحة الحمامة وحمامة برك على الكلب الشرس ليأخذ حمامته، الحمامة طارت إلى سماء الله والكلب عض أذن حمامة.


أين راحت الحمامة؟


لم ير أحد الحمامة، ولكن لأن حمامة أصلا لم تكن له حمامة فلم يبحث أحد عن تلك الحمامة.




بكاء ونحيب كالرعد يمخر في الفضاء:


نروح فين بعدك يا أمه....الطبيب جاء واخترق كتلة الكائنات المسماة بالحريم المتشحات بلون أسَود من جناح غراب يتيم وتائه. يعقد حاجبيه ويتصنع الجدية والموت في عظامه وعظام الميتة سواء.


مر من الفناء كما تمر السكين في قالب الزبدة، الحريم يفسحون له السكة الموصلة لحجرة المرحومة التي يعلم الجميع أنها مرحومة ولكن لإعطاء الإشارة الخضراء للمغسلة التي لم تنتظر الخبر اليقين وطرطشت الماء على الجثمان والأرض وتسرسب الماء من الباب الخشبي القديم على السلم على الحريم.


يفتحون الباب للطبيب الشاب الذين بعد أن رأى الموت ولم يحسه بيده جرى وانخلع قلبه ولكنه كتم وأكد لروحه أن المغسلة التي انكشف لها الموت مرارا حتى صارت تتآنس به تعلم أكثر منه.


أذن حمامة دامية ومخرومة من ناب الكلب الشرس.الطبيب يخبط في حمامة ويلوث دم حمامة بالطو الطبيب الرمادي،


الطبيب يمسك حمامة ويقول له:


ايه اللي عملك كده.


الكلب أبو ديل مقطوع..أصله كان حياكل حمامتي.


أخذ الطبيب حمامة معه إلى العيادة وأعطاه حقنة متينة وسرج أذنه المخرومة بخيط أسود متين.


طار حمامة إلى العزاء وأذنه مغرزة بالخيط الأسود.


الجنازة خرجت- أخذها الرجال وذهبوا.


أم حمامة تلقفته وقالت له:


روح هات الصواني مع البت من الفرن.


من أين؟ خاطر سريع لحمامة، البيت على الحديدة. المش والقوطة عجنوا معدته طوال الليل، يقوم كل فترة ويملأ بطنه ماءا من الزير، من فين جابت أمي الصواني؟ ولا هي مدكنة من ورانا!


يلحق حمامة البنت في الفرن. تقف مع سعدية شغالة الحاج أحمد. الحاج أحمد رجل غني وعنده طين كثير. لابد أن الصواني التي ستخرج لسعدية ستفوح منها رائحة اللحم وما تشتهيه الأنفس.


ازيك يا بت يا سعدية.


وصواني أم حمامة باذنجان أسود محروق لا تعجب الفأر الذي يختبئ الآن أمام عينه في أجولة الدقيق المسندة على الجدار البالي.حمامة يغمز لسعدية فالبت سعدية ناضجة وفائرة ولكنها لا تعير انتباها لخفة دم حمامة- تأخذ صوانيها وتعطيها للفران- الصواني فراخ ولحمة ووسط الفراخ حمامة وحيدة محشية.


حمامة!!!لوحدها.


الغراب الأسود ينقر القلوب يحفر عليها الاسم المعلوم فينزل القلب منهم جمرة مشتعلة على صاحب النصيب المقسوم.


تتفتح أبواب كانت مغلقة لتدخل حاسرة الرأس يسافر شعرها المصبوغ البائس إلى كل عين في البلد:


ملحقتكييييش ياختي...


وصياح متباكي حزين يعلو بالهمم المنهكة:


أخدك الموت يا غالية!


وواحدة تميل على أخرى في الهرج:


جايه تشوف الدهب والفلوس.


وقرينة تهمس لجارتها:نقبها حيطلع على فشوش.


وثالثة تعدد على الفقيدة.


لم يكن حمامة غافلا عن الصواني، الرجال والأذرع والأكمام المشمرة تغرف لا تبقي ولا تذر، هذه من بيت حمدان الفلاح و الديك من بيت سعيد مدرس الابتدائي والعجل المسفوح من بيت سيد تاجر المواشي والباذنجان المحروق من بيت أم حمامة.


طبيب الوحدة لازالت أصابعه معلمة على أذن حمامة ولازالت حقنته تحرق عجيزته، قاعدا وملقيا البالطو الرمادي الذي وقّّّّّّّّّّّّّّّّع حمامة عليه بدمه ومنفردا بالحمامة في زاوية، الحمامة تنز بالسمن وتتساقط حبات الفريك منها على التراب.


حمامة يقف أمام الطبيب في خشوع يتأمل الحمامة، اللقمة تقف في زور الشاب ويشير لحمامة فيأتي.


فيه حاجة يا حمامة.


حمامة يرفع صباعه للسماء ويتمتم.حمامتي.


يأخذ الطبيب ما تأخر من الحمامة عن القرض يعطيها لحمامة فحضنها بكفيه وخرج.وفي هالة المكان وجد الكلب الشرس المقطوع ذيله يتمسح وحمامة يحضن ما بقي من الحمامة ويتوجس ويحذر.الحمامة كانت ساقا ومؤخرة.


خلع حمامة الساق ومضى ينزع عنها الجلد، يأكلها وينظر للكلب الشرس، الكلب يزمجر وتجذب رائحة الصواني والحمامة خياشيمه، سال لعابه وأرخى أذنيه لحمامة في استجداء.ألقى حمامة مؤخرة الحمامة للكلب وناول لفمه طرف جلبابه وطار.