كان يمشي على الجسر، يعبره ليبلغ الشاطئ الآخر عندما ظهر له من وسط البرجين.
أوقعت الرؤية في نفسه الدهشة. لم يدر أنه قد يراه بقدر تلك المسافة. واضحا ومنتصبا، ربما بريقه قد خبا مع اصفرار جدرانه والإهمال الملحق بنوافذه الخشبية الطويلة، وجب عليه أن يقف في نقطة معينة من الجسر ليراه، ثبت في منتصف الرصيف، اصطدم به العابرون، سبه واحد ودفعه آخر.وقف حتى ألهبت الشمس رأسه. أغلق عينيه من شدة الوهج. استكمل السير، داعبت الذكرى خياله.. كيف تعرفا على بعضهما.يحمل فوق رأسه خبزا، يقطع الشارع ليعود إلى المنزل، تدوس رجليه على التراب والطين، يتفادى الأحجار البارزة في الطريق، جاءت تلك السيارة المسرعة، غير عابئة بضيق الطريق وعدم وجود الرصيف، ارتد للخلف، سقط الخبز ليصبح مغموزا بالوسخ والطين.أسند القفص على الجدار، يتباكى على الخبز المنثور، تصور إيابه خالي الوفاض، نظرة أبيه وكفه التي لا تلين، عندما ظهر وسط الناس بجلبابه الأزرق، بدا مميزا وسط الخلق، اقترب منه، ربت على منكبه، حدق فيه بعينيه الواسعتين، سرت في أعضاءه قشعريرة غريبة، سكن بعدها، سرح في أفق عينيه.أخذه الرجل من يده، لم يعلم إلى أين، يحمل قفص الخبز في يده الشاغرة، ابتاع الرجل له خبزا، أعطاه حلوى، قال له:- أراك غدا.لم يسأل أين وكيف. تركه ورحل، تزيل الغبطة أثر التفكير فيما كان. لم يظهر الحلوى لأمه وأخوته، يجترها في الخفاء، دغدغت حلاوتها براءة لسانه، مضى يتباطأ في بلعها حتى يستحوذ على مكنونها كله. لم يفق من نشوة الحلوى حتى برز له الرجل، يسأله عن أحواله، وعن الحلوى هل أعجبته، هز رأسه وفتح فمه، ظهرت الألوان صابغة شفتيه ولسانه.ترك كفه للرجل صاحب الجلباب الأزرق، كأن المعرفة بينهما متوطدة منذ سنوات، قطع به شوارع وحواري، لم يحس بالغرابة أو يدق قلبه بالخوف،وصل الرجل إلى البيت كان الفناء به أطفال كثيرون، كلهم يأكلون الحلوى وتصطبغ شفاههم بالأصباغ الزاهية. استمر يأكل الحلوى ويلعب مع الأولاد حتى أنهكه الأكل واللعب، لا يفتأ يرجع للبيت لينهل من اللذة كل يوم.لم يعرف أحد من هؤلاء الأولاد من قبل، لم ير أحد منهم في المدرسة أو الشارع، منهم سود البشرة وآخرون عيونهم مسحوبة لأعلى. مرة وقف وسطهم. حاول أن يفهم سر سعادتهم، سبب عدم توقفهم عن اللعب، لكنه وجد نفسه مثلهم، فكف عن السؤال، يجري في الفناء الأخضر، ويتقن ألعابهم التي لم يكن يعرفها من قبل.في يوم ما فكر من أين تأتي الحلوى؟ لابد أن بالداخل كثير منها. حاول أن ينظر عبر النوافذ، كلها كانت عالية عليه. اقترب من الباب وتصنع اللعب. عندما خرج الرجل تسلل إلى الداخل في خفة. كان البيت مملوءا بالكتب والتحف. لم يجد ما يثير اهتمامه. خرج للفناء والحلوى.قطع المسافة للبيت القديم مأخوذا لا يشعر بشيء.وقف أمامه ثم دخل. كان الفناء خاليا، الحشائش هنا وهناك، لا أثر لإنس ولاجان. طرق على الباب. التراب يغمر كل الأشياء. فتحت له امرأة عجوز. سألها عن صاحب الدار، قالت إنه متوعك وإنه سينزل إليه بعد قليل. تأمل الكتب والتحف الموضوعة كما في السابق. أطال الانتظار ولم يظهر أحد. أصابه الملل. قام وخرج بعد أن أغلق الباب خلفه.


